الرئيسية » اسلاميات » حقيقة الاسلام و الايمان و منزلة العمل في الاسلام

حقيقة الاسلام و الايمان و منزلة العمل في الاسلام

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فلا بيان لمعاني القرآن أتمَّ من بيان النبي ، ولا تفسير أوضح من تفسيره، فالواجب على كل مسلم – عند التنازع – الرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله .
ولقد كثر كلام الناس في حقيقة الإيمان والإسلام، وكثر نزاعهم واضطرابهم، من حين خرجت الخوارج المارقة المكفرة.
والخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في غيره من الأسماء، فأحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق، كالوعد والوعيد في الدار الآخرة، والموالاة والمعاداة، والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا.
ولذلك ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الواردة في القرآن والحديث، إذا عُرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ، لم يُحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء: “الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع، كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة، كالشمس، والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف، كلفظ (المعروف) في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكذلك اسم الخمر والسرقة والزنا والربا والغيبة وغيرها، قد بين الرسول  ما يراد بها في كلام الله ورسوله، فمن بيان النبي  يعرف معناها، ولو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي  لم يقبل منه.
واسم الإيمان والإسلام وكذلك النفاق والكفر، هي أعظم من هذا كله، فالنبي  قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك باشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فبيان الله ورسوله لهذه الأسماء شاف كاف.
بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة عند الخاصة والعامة.
وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل، لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق، وصاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله فإنها تكون ضلالاً.

معنى الإسلام:
إن من بيان الله ورسوله لمعنى الإسلام، ما جاء في قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ، ويقوله سبحانه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، ويقول عز وجل: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، وعند مسلم من حديث عمر بن الخطاب، أن جبريل سأل النبي عن الإسلام فقال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً».
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان».
إذًا فالإسلام دين، والدين مصدر دان يدين دينًا: إذا خضع وذل، وهو في بيان الله ورسوله، خضوع وذل لله بأقوال وأفعال مخصوصة، وهي المباني الخمس، الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج، فمن جاء بها فقد أظهر الاستسلام لله وحده وخضع وذل وانقاد له وعبده دون ما سواه.

معنى الإيمان:
أما الإيمان فيقول الله عز وجل: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ففي هذه الآية ينفي الله عن هؤلاء الأعراب الإيمان ويثبت لهم الإسلام؛ فحرف «لما» يُنفى به ما قرب وجوده وانتُظر ولم يوجد بعد، فلما قالوا: «آمنا» قيل: لم تؤمنوا بعد؛ بل الإيمان مرجو منتظر منكم أن يدخل في قلوبكم؛ ولهذا فسر النبي  الإيمان: بإقرار القلب وخضوعه، فقال في حديث: جبريل: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وهذا الإيمان الذي في القلب، لا يصح إلا إذا أتى بالإسلام الظاهر، ولذلك إذا أفرد الإيمان بالتعريف في النصوص الشرعية شمل الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كما فسره النبي  في حديث الشعب، فقال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه، وكما بينه سبحانه حين وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء الأعراب منهم، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وكما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.

ويوضح ذلك أنه لابد في الإيمان من أصلين:
أولاً: التصديق بالحق، وهذا أصل القول.
الثاني: المحبة للحق، وهذا أصل العمل.
فإذا قام بالقلب التصديق بالحق والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير على ما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، ولكن القلب هو الأصل والبدن فرع له.
فإذا عرف ذلك، فاسم «الإيمان» تارة يطلق على ما في القلب من التصديق بالحق والمحبة له، كما في حديث جبريل، وتكون الأقوال والأعمال الظاهرة لوازمه وموجباته ودلائله، فتوجد بوجوده وتنتفي بانتفائه.
وتارة يطلق على ما في القلب والبدن إدخالاً لموجب الإيمان ومقتضاه في مسماه، كما في حديث شعب الإيمان.

تعريف الإيمان وحكاية الإجماع عليه، وتكفير تارك العمل:
ومما تقدم جاء تعريف الإيمان المطلق بأنه “قول وعمل” وهذا هو المأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف وهو مذهب أهل السنة، وهذا التعريف يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر، ولكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك، زاد بعضهم: “ونية”، وبعضهم يقول: “اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح” فجعل القول والعمل اسمًا لما يظهر فقط، فاحتاج أن يضم إلى ذلك “اعتقاد القلب” المتضمن لقول القلب وعمل القلب.
وهذه الزيادات في التعريف إنما هي تفسير مجمل، لأن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فقول اللسان بدون قول القلب هو قول المنافقين، قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب، هو من أعمال المنافقين التي لا يقبلها الله عز وجل؛ ولذلك زاد آخرون في التعريف فقالوا: «قولٌ وعمل ونية واتباع السنة» وهذا حق أيضًا، لكن السلف قالوا: «قولٌ وعمل» ليبينوا اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال، قال إسحاق بن راهويه: “الإيمان قول وعمل يزيد وينقص” لا شك أن ذلك كما وصفنا، وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة، وآحاد أصحاب رسول الله  والتابعين، وكذلك من بعد التابعين من أهل العلم -على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في عهد الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك بن أنس بالحجاز، ومعمر باليمن، على ما فسرنا وبينا، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص( )، وهذا الإجماع على هذا التعريف قد حكاه أيضًا الإمام الشافعي رحمه الله فقال: “وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم، يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر”( ). إذاً من ترك العمل – وهو ما ذكر في حديث الإسلام والإيمان من فرائض الدين وهي الأربع: «الصلاة والزكاة والصيام والحج» فلا يصح إيمانه.
وكذلك جاءت الرواية عن السلف في تكفير تارك العمل، ردًا على المرجئة، قال سفيان بن عيينة رحمه الله: “المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا سواء، لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس، وعلماء اليهود الذين أقروا بنعت النبي ، ولم يعملوا بشرائعه”( ).
وقال إسحاق بن راهويه رحمه الله: “غَلَت المرجئة حتى صار من قولهم، أن قومًا يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض، من غير جحود لها لا نكفره، يرجى أمره إلى الله بعد، إذ هو مقر، فهؤلاء الذين لا شك فيهم” يعني أنهم مرجئة ( ).
وقال الحميدي رحمه الله: “أخبرت أن ناسًا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، أو يصلي مستدير القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدًا، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسول الله  وفعل المسلمين”.
ولما بلغ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ما نقل إلى الحميدي من كلام المرجئة، قال: “من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به”( ).
شبهة المرجئة الذين لم يكفروا بترك العمل الظاهر والرد عليها:
إن الذين لم يكفروا بترك العمل الظاهر، إنما نظروا إلى أصل الإيمان ولم ينظروا إلى موجباته ومقتضياته ولوازمه، فأخرجوا العمل الظاهر عن كونه ركنًا في الإيمان، وهذا خطأ بيّن لأن العمل الظاهر لازم للعمل الباطن ولا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة البدن، فإن العمل تحقيق لإيمان القلب وتصديق له، ولهذا قال طائفة من العلماء: “الإيمان كله تصديق، فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل، واللسان يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول”، ومن هذا قوله تعالى لإبراهيم : يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، فإن إبراهيم  كان معتقدًا صدق رؤياه من حين رآها، فرؤيا الأنبياء وحي، وإنما جعله الله مصدقًا لها بعد أن فعل ما أمر به فيها، وكذلك قول النبي  في الحديث الصحيح: «العينان تزنيان وزناهما النظر،… [إلى أن قال:] والقلب يتمنى ويشتهى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»، فجعل التصديق والتكذيب في الفعل.
وكما قال الحسن البصري رحمه الله: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال”( ).
وقوله: “ليس الإيمان بالتمني” – يعني: الكلام – قوله: “بالتحلي” – يعني: أن يصير حلية ظاهرة له من غير حقيقة في قلبه، ومعنى ذلك: أن الإيمان ليس هو ما يظهر من القول، ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدق أن في القلب إيمانًا، فإذا لم يكن عمل، كذب أن في قلبه إيمانًا، لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: “الإيمان لا يكون إلا بعمل”( ).

الوجوه التي تبين غلط المرجئة:
* أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك، فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن، ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول جميع القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلاً ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملاً، فإنه لابد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر، فمن مات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك، وأيضًا لا يجب على كل واحدٍ من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو بعينه وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل في المناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة، فصار يجب من الإيمان تصديقًا وعملاً على أشخاص ما لا يجب على آخرين.

* الوجه الثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون صحيحًا بدون العمل الذي في القلب، كمحبة الله وخشيته ورجائه والتوكل عليه والشوق إلى لقائه، وبدون العمل الظاهر، كالصلاة والزكاة والصوم والحج. فظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، ولا يصلي ولا يزكي ولا يصوم رمضان ولا يحج البيت، قالوا: وهذه كلها معاصٍ لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا ويترك الفرائض، وهو في الباطن عند الله مؤمن، وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار، لأن هذه الأعمال والأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر!!!
فإذا أُوِرد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر من قول ظاهر أو عمل ظاهر، وأنه معذب في الآخرة. قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه!!!.

*وهذا هو الوجه الثالث الذي غلطوا فيه: فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل أو تكذيب القلب، والإيمان شيء واحد وهو العلم أو تصديق القلب.
وقد كفّر السلف – كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم – من يقول بهذا القول، فهؤلاء الغلاة من المرجئة خالفوا بهذا القول الشرع والعقل والحس، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة، فإبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبرًا، وكذلك فرعون وقومه، قال تعالى فيهم: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، وقال موسى  وهو الصادق المصدوق، ردًا على فرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ، فدل على أن فرعون كان عالمًا بأن الله أنزل الآيات التسع، ولكنه من أكبر خلق الله عنادًا وبغيًا، لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه، وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، وكذلك الكفار الذين قال الله فيهم: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ، بل إن أبا طالب وغيره كانوا يحبون النبي ، ويحبون علو كلمته، وليس عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن في متابعته فراق دين آبائهم وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة واحتمال هذا الذم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم بل لهوى النفس.
ثم إنه من المعلوم من الدين بالضرورة، أن كل من تكلم بكلمات الكفر مختارًا غير مكره، فهو كافر باطنًا وظاهرًا، فقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها، كقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وقوله عز وجل: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وغير ذلك من الآيات.
– بل قد أخبر الله بكفر من تكلم بالكفر من غير اعتقاد للكفر، فقال عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ.
– فهؤلاء كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، فهم بقولهم الكفر كفروا ظاهرًا وباطنًا، سواء كانوا يعتقدون أن ذلك محرم، أو كانوا مستحلين له، أو كانوا ذاهلين عن اعتقادهم، وسواء كانوا مازحين أو جادين.
– فمن قال بأن كفر المستهزئ والسابّ لله أو رسوله إنما هو لاستحلاله الاستهزاء والسب، فهذه زلة منكرة وهفوة عظيمة، وذلك من وجوه:
* الأول: أن اعتقاد حل السب كفر، سواء اقترن به وجود السب أم لم يقترن به، إذ لا أثر للسب في الكفر وجودًا وعدمًا، وإنما المؤثر هو اعتقاد الحل!!! وهذا خلاف ما أجمع عليه العلماء.
* الوجه الثاني: أنه إن كان كل من سب أو استهزأ فهو مستحل لا محالة وذلك لمجرد الفعل أو القول، لزم من ذلك أنه لا فرق بين سب النبي  وبين قذف المؤمنين أو غيبتهم، وغير ذلك من الأقوال التي عُلم أن الله حرمها، فكل من فعل شيئًا من ذلك فهو مستحل لا محالة وذلك لمجرد الفعل أو القول!!! وهذا باطل بالكتاب والسنة والإجماع.
* الوجه الثالث: أنه إذا كان الكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب أو الاستهزاء ما يدل على أن السابّ والمستهزئ مستحل، فيجب أن لا يكفر، لا سيما إذا قال: “أنا أعتقد أن هذا حرام، وإنما تكلمت غيظًا وسفهًا أو عبثًا ولعبًا”، كما قال المنافقون: (إنما كنا نخوض ونلعب)!!!.
– فإن قيل: لا يكونون كفارًا!!
فهو خلاف نصِّ القرآن.
– وإن قيل: يكونون كفارًا
فهو تكفير بغير موجب؛ إذ لم يجعلوا نفس السب والاستهزاء كفرًا.
– فإن قيل: نحن لا نصدقه في دعواه عدم الاستحلال.
قيل: هذا لا يستقيم، فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل، وإذا كان يقول: “أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية، وأنا أفعله” فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرًا؟!
ولهذا قال سبحانه وتعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من الأقوال والأعمال التي هي لهم عذر يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين، بل تبين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب.
ولم يعذر الله أحدًا وقع في الكفر إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، قال تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
والآية تدل على أنه لا يعذر من المكرهين على الكفر أحد إلا من كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما إن أكره على قول الكفر أو فعله ثم انشرح صدره لذلك فقد كفر، والدلالة على هذا في الآية من وجهين:
الأول: قوله: إِلا مَنْ أُكْرِهَ فإنه تعالى لم يستثن إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الفعل أو الكلام فقط، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها، ولذلك جاء الشرك في بقاء هذا المكره على الإسلام بعد تكلمه بالكفر، بأن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، فإن فقد الشرط وانشرح صدره بالكفر بعد أن أكره، فقد كفر بالله وخرج من الملة، إلا أن شبهة الإكراه الظاهرة جعلته كفر نفاق في الباطن، ولم نؤمر أن ننقب عن قلبه فلنا الظاهر وهو أنه مكره وأما في الآخرة فقال سبحانه: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فظهر بذلك أن من تكلم بالكفر وفعله من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرًا، وإلا ناقض أول الآية آخرها.
الوجه الثاني: قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ فبين سبحانه أن هذا الكفر والعذاب استحقوه بسبب أن لهم في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا آثروه على الآخرة، فلم يكن هذا الكفر والعذاب بسبب الاعتقاد من تكذيب القلب أو جهله بالتوحيد، فإن الأصل الذي جعله الله موجبًا للخسران، استحباب الدنيا على الآخرة؛ وهذا السبب قد يكون مع التصديق والعلم بأن الكفر يضر في الآخرة.
فإذا تكلم بكلمة الكفر اختياراًً من غير إكراه فقد شرح بها صدرًا، وخرج من ثبت إكراهه عن أن يكون بإظهار الكفر كافرًا، إلى رخصة الله تعالى والثبات على الإيمان ما دام أن قلبه مطمئن بالإيمان.
ومما يلحق بالإكراه والاضطرار في العذر ما يلي:
1- من كان قارئًا للكفر أو حاكيًا له في شهادة أو غيرها.
2- من كان جاهلاً جهلاً يعذر به، كذاك الذي أمر بأن يحرق بعد موته وأن يذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، كما في الصحيحين.
3- من كان مخطئًا خطأ يعذر به، كمن أخطأ من شدة الفرح فقال: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك” أخطأ من شدة فرحه بدابته، أو أخطأ من شدة الغضب كمن ألقى المصحف ذهولاً عنه لغضبه، كما ألقى موسى الألواح التي كتبت التوراة فيها.
4- من كان مأذونًا له شرعًا، كاستئذان محمد بن مسلمة النبي  عندما أراد الذهاب لقتل كعب بن الأشرف – أن يقول فيه، وهذا خاص في حياة النبي  فهو الذي يأذن في حقه.
فهذه الأحوال مما يقطع فيها أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، وأن فعلهم ليس استحبابًا منهم للدنيا على الآخرة، بل إن بعضهم فعل ما فعل لإرادته الآخرة.
هذه نبذة أصلها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لخصتها وهذبتها وزدت فيها ونقصت للتوضيح والبيان سائلاً الله أن ينفعني بها وإخواني المسلمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التوحيد

قال صلى الله عليه وسلم: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا” ...