شئ من سيرة تبان

شئ من سيرة تبان

قال ابن إسحاق : وتبان أسعد أبو كرب الذي قدم المدينة ، وساق الحبرين من يهود المدينة إلى اليمن ، وعمر البيت الحرام وكساه ، وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر .

قال ابن هشام :وهو الذي يقال له :

ليت حظي من أبي كرب * أن يسد خيره خبله

تبان يغضب على أهل المدينة و سبب ذلك

قال ابن إسحاق : وكان قد جعل طريقه – حين أقبل من المشرق – على المدينة ، وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها ، وخلف بين أظهرهم ابنا له ، فقتل غيلة . فقدمها  وهو مجمع لإخرابها ، واستئصال أهلها ، وقطع نخلها ؛ فجمع له هذا الحي من الأنصار ، ورئيسهم عمرو ابن طلة أخو بني النجار ، ثم أحد بني عمرو بن مبذول ، واسم مبذول: عامر بن مالك بن النجار ، واسم النجار : تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر .

عمرو بن طلة ونسبه

قال ابن هشام :عمرو بن طلة : عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار : وطلة أمه ، وهي بنت عامر بن زريق بن عامر بن زريق بن عبدالحارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج .

قصة مقاتلة تبان لأهل المدينة

قال ابن إسحاق : وقد كان رجل من بني عدي بن النجار ، يقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع حين نزل بهم فقتله ، وذلك أنه وجده في عذق له يجُدُّهُ فضربه بمنجله فقتله ، وقال : إنما التمر لمن أبره. فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم ، قال : فاقتتلوا . فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ، ويقرونه بالليل ، فيعجبه ذلك منهم ، ويقول : والله إن قومنا لكرام .

انصراف تبان عن إهلاك المدينة ، و شعر خالد في ذلك

فبينا تبع على ذلك من قتالهم ، إذ جاءه حبران من أحبار اليهود ، من بني قريظة – وقريظة والنضير والنجَّام وعمرو ، وهو هدل ، بنو الخزرج بن الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النجام بن تنحوم بن عازر بن عزرى بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ، وهو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ، صلى الله عليهم – عالمان راسخان في العلم ، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها . فقالا له : أيها الملك ، لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة ؛ فقال لهما : ولم ذلك ؟ فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في أخر الزمان ، تكون داره وقراره ؛ فتناهى عن ذلك. ورأى أن لهما علما ، وأعجبه ما سمع منهما ، فانصرف عن المدينة، واتبعهما على دينهما ، فقال خالد بن عبدالعزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار يفخر بعمرو بن طلة :

أصحا أم قد نهى ذكره * أم قضى من لذة وطرهْ

أم تذكرت الشباب وما * ذكرك الشباب أو عصره

إنها حرب رباعية * مثلها أتي الفتى عبره

فاسألا عمران أو أسدا * إذ أتت عدوا مع الزهرهْ

فيلق فيها أبو كرب * سبغ أبدانها ذفره

ثم قالوا : من نؤم بها * أبني عوف أم النجرهْ

بل بني النجار إن لنا * فيهم قتلى وإن تره

فتلقتهم مسايفة * مدها كالغيبة النثره

فيهم عمرو بن طلة ملى * الإله قومه عمره

سيد سامى الملوك ومن * رام عمرا لا يكن قدره

وهذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه، حتى انصرف عنهم، ولذلك قال في شعره:

حنقا على سبطين حلا يثربا * أولى لهم بعقاب يوم مفسد

قال ابن هشام :الشعر الذي فيه هذا البيت مصنوع ، فذلك الذي منعنا من إثباته .

تبع يذهب إلى مكة ويطوف بالكعبة

قال ابن إسحاق : وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها ، فتوجه إلى مكة ، وهي طريقه إلى اليمن ، حتى إذا كان بين عسفان ، وأمج ، أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ، فقالوا له: أيها الملك ، ألا ندلك على بيت مال دائر أغفلته الملوك قبلك ، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال : بلى ؛ قالوا : بيت بمكة يعبده أهله ، ويصلون عنده . وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك ، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده . فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين ، فسألهما عن ذلك ، فقالا له : ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ، ما نعلم بيتا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره ، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا ؛ قال : فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه ؟ قالا : تصنع عنده ما يصنع أهله : تطوف به وتعظمه وتكرمه ، وتحلق رأسك عنده ، وتذل له ، حتى تخرج من عنده؛ قال : فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قال : أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك ، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله ، وبالدماء التي يهرقون عنده ، وهم نجس أهل شرك – أو كما قالا له – فعرف نصحهما وصدق حديثهما فقرب النفر من هذيل ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثم مضى حتى قدم مكة ، فطاف بالبيت ، ونحر عنده، وحلق رأسه ، وأقام بمكة ستة أيام – فيما يذكرون – ينحر بها للناس ، ويطعم أهلها ويسقيهم العسل ، ثم أري في المنام أن يكسو البيت أحسن من ذلك ، فكساه الخصف ؛ ثم أري أن يكسوه  أحسن من ذلك ، فكساه المعافر ؛ ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه الملاء والوصائل ، فكان تبع – فيما يزعمون – أول من كسا البيت ، وأوصى به ولاته من جرهم ، وأمرهم بتطهيره وألا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة، وهي المحايض ، وجعل له بأبا ومفتاحا ، وقالت سبيعة بنت الأحب بن زبينة بن جذيمة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ، وكانت عند عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ، لابن لها منه يقال له خالد ، تعظم عليه حرمة مكة ، وتنهاه عن البغي فيها ، وتذكر تبعا وتذللـه لها ، وما صنع بها :

أبني لا تظلم بمكة * لا الصغير ولا الكبيرْ

واحفظ محارمها بني * ولا يغرنك الغرور

أبني من يظلم بمكة * يلق أطراف الشرور

أبني يضرب وجهه * ويلح بخديه السعير

أبني قد جربتها * فوجدت ظالمها يبور

الله أمنها وما * بنيت بعرصتها قصور

والله آمن طيرها * والعصم تأمن في ثبير

ولقد غزاها تبع * فكسا بنيتها الحبير

وأذل ربي ملكه * فيها فأوفى بالنذور

يمشي إليها حافيا * بفنائها ألفا بعير

ويظل يطعم أهلها * لحم المهاري والجزور

يسقيهم العسل المصفى * والرحيض من الشعير

والفيل أُهلك جيشه * يرمون فيها بالصخور

والملك في أقصى البلا * د وفي الأعاجم والخزير

فاسمع إذا حُدّثت وافهم * كيف عاقبة الأمور

قال ابن هشام :يوقف على قوافيها لا تعرب .

أصل اليهودية باليمن

ثم خرج منها متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين ، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه ، فأبوا عليه ، حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن .

قال ابن إسحاق : حدثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي ، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث : أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك ، وقالوا : لا تدخلها علينا ، وقد فارقت ديننا ، فدعاهم إلى دينه وقال : إنه خير من دينكم ؛ فقالوا : فحاكمنا إلى النار ؛ قال : نعم . قال وكانت باليمن – فيما يزعم أهل اليمن – نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه ، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم ، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها ، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه ، فخرجت النار إليهم ، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها ، فذمرهم من حضرهم من الناس ، وأمروهم بالصبر لها ، فصبروا حتى غشيتهم ، فأكلت الأوثان وما قربوا معها ، ومن حمل ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما فأصفقت عند ذلك حمير على دينه ؛ فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني محدث أن الحبرين ، ومن خرج من حمير، إنما اتبعوا النار ليردوها ، وقالوا : من ردها فهو أولى بالحق ؛ فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها ، ودنا منها الحبران بعد ذلك ، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص عنهما ، حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما ، والله أعلم أي ذلك كان .

هدم البيت المسمى رئام

قال ابن إسحاق : وكان رئام بيتا لهم يعظمونه ، وينحرون عنده ، ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم . فقال الحبران لتبع : إنما هو شيطان يفتنهم بذلك فخل بيننا وبينه ؛ فاستخرجا منه – فيما يزعم أهل اليمن – كلبا أسود فذبحاه ، ثم هدما ذلك البيت ، فبقاياه اليوم – كما ذكر لي – بها آثار الدماء التي كانت تهراق عليه .

ملك حسان بن تبان وقتله على يد أخيه عمرو

سبب قتله

فلما ملك ابنه حسان بن تبان أسعد أبي كرب سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض الأعاجم ، حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق – قال ابن هشام :بالبحرين فيما ذكر لي بعض أهل العلم –  كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهلهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو ، وكان معه في جيشه ، فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا ، وترجع بنا إلى بلادنا ، فأجابهم . فاجتمعوا على ذلك إلا ذا رعين الحميري ، فإنه نهاه عن ذلك فلم يقبل منه، فقال ذو رعين :

ألا من يشتري سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين

فإما حمير غدرت وخانت * فمعذرة الإله لذي رعين

ثم كتبهما في رقعة ، وختم عليها ، ثم أتى بها عَمْرا ، فقال له : ضع لي هذا الكتاب عندك ، ففعل ، ثم قتل عمرو أخاه حسان ، ورجع بمن معه إلى اليمن ؛ فقال رجل من حمير :

لاه عينا الذي رأى مثل حسا * ن قتيلا في سالف الأحقاب

قتلته مقأول خشية الحبس * غداة قالوا : لباب لباب

ميتكم خيرنا وحيكم * رب علينا وكلكم أربابي

قال ابن إسحاق : وقوله لباب لباب : لا بأس لا بأس ، بلغة حمير .

قال ابن هشام :ويروى : لباب لباب .

هلاك عمرو وتفرق حمير

قال ابن إسحاق : فلما نزل عمرو بن تبان اليمن منع منه النوم ، وسلط عليه السهر ، فلما جهده ذلك سأل الأطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به ؛ فقال له قائل منهم : إنه والله ما قتل رجل قط أخاه ، أو ذا رَحمه بغيا على مثل ما قتلت أخاك عليه ، إلا ذهب نومه ، وسلط عليه السهر. فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه حسان من أشراف اليمن ، حتى خلص إلى ذي رعين ، فقال له ذو رعين : إن لي عندك براءة؛ فقال : وما هي ؟ قال : الكتاب الذي دفعت إليك ؛ فأخرجه فإذا البيتان ، فتركه ورأى أنه قد نصحه . وهلك عمرو ، فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا .

خبر لخنيعة وذي نواس

تولية الملك ، و شئ من سيرته ، ثم قتله

فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة ، يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر ، فقتل خيارهم ، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم ؛ فقال قائل من حمير للخنيعة :

تقتل أبناها وتنفي سراتها * وتبني بأيديها لها الذل حمير

تدمر دنياها بطيش حلومها * وما ضيعت من دينها فهو أكثر

كذاك القرون قبل ذاك بظلمها * وإسرافها تأتي الشرور فتخسر

فسوق لخنيعة

وكان لخنيعة امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط ، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك ، فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك ، لئلا يملك بعد ذلك ، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده ، قد أخذ مسواكا فجعله في فيه ، أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه . حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان ، وكان صبيا صغيرا حين قتل حسان ، ثم شب غلاما جميلا وسيما ، ذا هيئة وعقل ؛ فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه ، فأخذ سكينا حديدا لطيفا ، فخبأه بين قدمه ونعله ، ثم أتاه ؛ فلما خلا معه وثب إليه ، فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ، ثم حز رأسه ، فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها ، ووضع مسواكه في فيه ، ثم خرج على الناس ، فقالوا له : ذا نواس ، أرطب أم يباس ، فقال : سل نخماس استرطبان ذو نواس . استرطبان لا باس – قال ابن هشام :هذا كلام حمير . ونخماس : الرأس – فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع ، فخرجوا في إثر ذي نواس حتى أدركوه ، فقالوا : ما ينبغي أن يملكنا غيرك : إذ أرحتنا من هذا الخبيث .

ملك ذي نواس

فملكوه ، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن ، فكان آخر ملوك حمير ، وهو صاحب الأخدود ، وتسمى يوسف ، فأقام في ملكه زمانا .

سبب وجود النصرانية بنجران

وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الإنجيل ، أهل فضل ، واستقامة من أهل دينهم ، لهم رأس يقال له عبدالله بن الثامر ، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران ، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان ، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ، وذلك أن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له فيميون – وقع بين أظهرهم، فحملهم عليه ، فدانوا به .

ابتداء وقوع النصرانية بنجران

فيميون و صالح و نشر النصرانية بنجران

قال ابن إسحاق : حدثني المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس عن وهب بن منبه اليماني أنه حدثهم : أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له فيميون ، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا ، مجاب الدعوة وكان سائحا ينزل بين القرى ، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها ، وكان لا يأكل إلا من كسب يديه ، وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد ، فإذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئا ، وخرج إلى فلاة من الأرض يصلي بها حتى يمسي .

قال : وكان في قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا ، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح ، فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله ، فكان يتبعه حيث ذهب ، ولا يفطن له فيميون : حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض ، كما كان يصنع ، وقد اتبعه صالح ، وفيميون لا يدري ، فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه ، لا يحب أن يعلم بمكانه ، وقام فيميون يصلى ، فبينما هو يصلي إذ أقبل نحوه التنين – الحية ذات الرءوس السبعة – فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ، ورآها صالح ولم يدر ما أصابها ، فخافها عليه ، فَعِيلَ عَوْلُهُ ، فصرخ يا فيميون ، التنين قد أقبل نحوك ؛ فلم يلتفت إليه ، وأقبل على صلاته حتى فرغ منها ، وأمسى فانصرف . وعَرف أنه قد عُرف ، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه ؛ فقال له : يا فيميون : تعلم والله أني ما أحببت شيئا قط حبك ، وقد أردت صحبتك ، والكينونة معك حيث كنت ، فقال : ما شئت ، أمرى كما ترى ، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم، فلزمه صالح . وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه ، وكان إذا فاجأه العبد به الضر دعا له فشفي ، وإذا دعي إلى أحد به ضر لم يأته ؛ وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير ، فسأل عن شأن فيميون فقيل له : إنه لا يأتي أحدا دعاه ، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر .

فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبا ، ثم جاءه فقال له : يا فيميون ، إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا ، فانطلق معي إليه حتى تنظر إليه ، فأشارطك عليه . فانطلق معه ، حتى دخل حجرته ، ثم قال له : ما تريد أن تعمل في بيتك هذا ؟ قال : كذا وكذا ؛ ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي ، ثم قال له : يا فيميون ، عبد من عباد الله أصابه ما ترى ، فادع الله له . فدعا له فيميون ، فقام الصبي ليس به بأس .

وعرف فيميون أنه قد عرف ، فخرج من القرية واتبعه صالح ، فبينما هو يمشي في بعض الشام إذ مر بشجرة عظيمة ، فناداه منها رجل ، فقال : يا فيميون ؛ قال : نعم ؛ قال : ما زلت أنظرك وأقول متى هو جاء ، حتى سمعت صوتك ، فعرفت أنك هو ، لا تبرح حتى تقوم علي ، فإني ميت الآن ؛ قال : فمات وقام عليه حتى واراه ، ثم انصرف ، وتبعه صالح ، حتى وطئا بعض أرض العرب ، فعدوا عليهما .

فاختطفتهما سيارة من بعض العرب ، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران، وأهل نجران يومئذ على دين العرب ، يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم ، لها عيد في كل سنة ، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه ، وحليّ النساء ، ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها يوما .

فابتاع فيميون رجل من أشرافهم ، وابتاع صالحا آخر .

فكان فيميون إذا قام من الليل يتهجد في بيت له – أسكنه إياه سيده – يصلي ، استسرج له البيتُ نورا حتى يصبح من غير مصباح ؛ فرأى ذلك سيده ، فأعجبه ما يرى منه ، فسأله عن دينه ، فأخبره به ، وقال له فيميون : إنما أنتم في باطل ، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع ، ولو دعوت عليها إلهي الذي أعبده لأهلكها ، وهو الله وحده لا شريك له .

قال : فقال له سيده : فافعل ، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك ، وتركنا ما نحن عليه . قال : فقام فيميون ، فتطهر وصلى ركعتين ، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله عليها ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها ، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه ، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم عليه السلام ، ثم دخلت عليهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض ، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب .

قال ابن إسحاق : فهذا حديث وهب بن منبه عن أهل نجران .

خبر عبدالله بن الثامر ، و قصة أصحاب الأخدود

فيميون و عبدالله بن الثامر واسم الله الأعظم

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها :

أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان ، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران – ونجران : القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد – ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر ، فلما نزلها فيميون – ولم يسموه لي باسمه الذي سماه به وهب بن منبه ، قالوا : رجل نزلها – ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر ، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث إليه الثامر ابنه عبدالله بن الثامر ، مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى منه من صلاته وعبادته ، فجعل يجلس إليه ، ويسمع منه ، حتى أسلم ، فوحد الله وعبده ، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام ، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم ، وكان يعلمه ، فكتمه إياه ، وقال له: يا ابن أخي ، إنك لن تحمله ، أخشى عليك ضعفك عنه ، والثامر أبو عبدالله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان ، فلما رأى عبدالله أن صاحبه قد ضن به عنه ، وتخوف ضعفه فيه ، عمد إلى قداح فجمعها ، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح ، و لكل اسم قدح ، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا ، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره بأنه قد علم الاسم الذي كتمه ؛ فقال : وما هو ؟ قال : هو كذا وكذا ؛ قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع ؛ قال : أَيِ ابنَ أخي ، قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل .

عبدالله بن الثامر يدعو إلى التوحيد

فجعل عبدالله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال يا عبدالله ، أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول : نعم ؛ فيوحد الله ويسلم ، ويدعو له فيشفى . حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه الله فاتبعه على أمره ، ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران ، فدعاه فقال له : أفسدت علي أهل قريتي ، وخالفت ديني ودين أبائي ، لأمثلن بك ؛ قال : لا تقدر على ذلك .

قال : فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس ؛ وجعل يبعث به إلى مياه بنجران ، بحُور لا يقع فيها شيء إلا هلك ، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس .

فلما غلبه قال له عبدالله بن الثامر : إنك والله لن تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به ، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني . قال : فوحد الله تعالى ذلك الملك ، وشهد شهادة عبدالله بن الثامر ، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة ، فقتله ، ثم هلك الملك مكانه؛ واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر ، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ، ثم أصابهم مثل ما أصاب أهل دينهم من الأحداث ، فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران ، والله أعلم بذلك.

قال ابن إسحاق : فهذا حديث محمد بن كعب القرظي ، وبعض أهل نجران عن عبدالله بن الثامر ، والله أعلم أي ذلك كان .

ذو نواس يدعو أهل نجران إلى اليهودية

فسار إليهم ذو نواس بجنوده ، فدعاهم إلى اليهودية ، وخيرهم بين ذلك والقتل ، فاختاروا القتل ، فخد لهم الأخدود ، فحرق من حرق بالنار ، وقتل من قتل بالسيف ومثل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا ، ففي ذي نواس وجنده تلك أنزل الله تعالى على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : ( قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) .

تفسير الأخدود

قال ابن هشام :الأخدود : الحفر المستطيل في الأرض ، كالخندق والجدول ونحوه ، وجمعه أخاديد .

قال ذو الرمة ، واسمه غيلان بن عقبة ، أحد بني عدي بن عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر :

من العراقية اللاتي يحيل لها * بين الفلاة وبين النخل أخدود

يعني جدولا . وهذا البيت في قصيدة له . قال: ويقال لأثر السيف والسكين في الجلد وأثر السوط ونحوه : أخدود ، وجمعه أخاديد .

نهاية عبدالله بن الثامر

قال ابن إسحاق : ويقال : كان فيمن قتل ذو نواس عبدالله بن الثامر ، رأسهم وإمامهم .

ما يروى عن ابن الثامر في قبره

قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث :

أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته ، فوجدوا عبدالله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا ، واضعا يده على ضربة في رأسه ، ممسكا عليها بيده ، فإن أخرت يده عنها تنبعث دما ، وإذا أرسلت يده ردها عليها ، فأمسكت دمها ، وفي يده خاتم مكتوب فيه : ( ربي الله ) فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبر بأمره ، فكتب إليهم عمر رضي الله عنه : أن أقروه على حاله ، وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ، ففعلوا .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سيدنا أبو بكر الصديق 5 : أدبه وتواضعه في التعامل مع الصحابة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد ...