الرئيسية » قصص و عبر » السيرة النبوية الشريفة » مباداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ، وما كان منهم

مباداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ، وما كان منهم

أمر الله له صلى الله عليه وسلم بمباداة قومه

قال ابن إسحاق : ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء ، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة ، وتحدث به . ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه ، وأن يبادي الناس بأمره ، وأن يدعو إليه ؛ وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين – فيما بلغني – من مبعثه ؛ ثم قال الله تعالى له : ( فاصدع بما تؤمر ، وأعرض عن المشركين ) . وقال تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين . واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين . وقل إني أنا النذير المبين ) .

معنى اصدع بما تؤمر

قال ابن هشام : اصدع : افرق بين الحق والباطل .

قال أبو ذؤيب الهذلي ، واسمه خويلد بن خالد ، يصف أُتن وحش وفحلها :

وكأنهن ربابة وكأنه * يَسَر يُفيض على القداح ويصدعُ (2/ 98)

أي يفرق على القداح ويبين أنصباءها . وهذا البيت في قصيدة له .

وقال رؤبة بن العجاج :

أنت الحليم والأمير المنتقم * تصدع بالحق وتنفي من ظلمْ

وهذان البيتان في أرجوزة له .

خروج الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه للصلاة في الشعب

قال ابن إسحاق : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ، ذهبوا في الشعاب ، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم ، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بِلَحْي بعير ، فشجه ، فكان أول دم هُريق في الإسلام .

عداوة قومه له صلى الله عليه و سلم ، ومساندة أبي طالب له

قال ابن إسحاق : فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله ، لم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه – فيما بلغني – حتى ذكر آلهتهم وعابها ؛ فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعداوته ، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام ، وهم قليل مستخفون ، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمُّه أبو طالب ، ومنعه وقام دونه ، (2/ 99) ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله ، مظهرا لأمره ، لا يرده عنه شيء .

فلما رأت قريش ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه ، من فراقهم وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه ، وقام دونه ، فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب . وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر .

قال ابن هشام : واسم أبي سفيان : صخر .

قال ابن إسحاق : وأبو البختري ، و اسمه العاص بن هشام بن الحارث ابن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي .

قال ابن هشام : أبو البختري : العاص بن هاشم .

قال ابن إسحاق : والأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي . وأبو جهل – واسمه عمرو ، وكان يكنى أبا الحكم – بن هشام بن المغيرة بن (2/ 100) عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي . والوليد بن المغيرة بن عبدالله ابن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي . و نُبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي . والعاص بن وائل .

قال ابن هشام : العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي .

وفد قريش يعاتب أبا طالب في شأن الرسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : أو من مشى منهم . فقالوا : يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ؛ فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه ؛ فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه .

الرسول صلى الله عليه وسلم يستمر في دعوته

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هو عليه ، يظهر دين الله ، ويدعو إليه ، ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها ، فتذامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا عليه .

رجوع الوفد إلى أبي طالب مرة ثانية

ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى ، فقالوا له : يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنـزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى (2/ 101) تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين ، أوكما قالوا له . ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه .

ما دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي طالب

قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدث : أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة ، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له ، فأبقِ علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ؛ قال : فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته . قال : ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى ثم قام ؛ فلما ولى ناداه أبو طالب ، فقال : أقبل يا ابن أخي ؛ قال : فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اذهب يا بن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .

قريش تعرض عمارة بن الوليد المخزومي على أبي طالب

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول (2/ 102) الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعُمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له – فيما بلغني – : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد ، أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا ، الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل ؛ فقال : والله لبئس ما تسومونني ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون ابدا .

قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي : و الله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ؛ فقال أبو طالب للمطعم : والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظارهة القوم علي ، فاصنع ما بدا لك ، أو كما قال . قال : فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، وبادى بعضهم بعضا .

شعر أبي طالب في التعريض بالمطعم ومن خذله من عبد مناف

فقال أبو طالب عند ذلك ، يعرض بالمطعم بن عدي ، ويُعم من خذله من بني عبد مناف ، ومن عاداه من قبائل قريش ، ويذكر ما سألوه ، وما تباعد من أمرهم :

ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظي من حياطتكم بكْرُ (2/ 103)

من الخور حبحاب كثير رُغاؤه * يُرش على الساقين من بوله قطر

تخلف خلف الوِرْد ليس بلاحق * إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر

أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر

بلى لهما أمر ولكن تجرجما * كما جُرجمت من رأس ذي علق الصخر

أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما يُنبذ الجمر

هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهما صِفْرُ

هما أشركا في المجد من لا أبا له * من الناس إلا أن يُرس له ذكر

وتيم ومخزوم وزُهرة منهمُ * وكانوا لنا مولى إذا بُغي النصر

فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منهمُ ما كان من نسلنا شفر

فقد سفهت أحلامهم وعقولهم * وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر

قال ابن هشام : تركنا منها بيتين أقذع فيهما .

قريش تظهر عداوتها للمسلمين

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين (2/ 104) أسلموا معه ، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ، ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب ، وقد قام أبو طالب ، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه ، من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقيام دونه ؛ فاجتمعوا إليه ، وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أبي لهب ، عدو الله الملعون .

شعر أبي طالب في مدح قومه لنصرته

فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه ، وحدبهم عليه ، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ، ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، ومكانه منهم ، ليشد لهم رأيهم ، وليحدبوا معه على أمره ، فقال :

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حُصّلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فإن محمدا هو المصطفى من سرها وكريمها *

تداعت قريش غثها وسمينها علينا فلم تظفر وطاشت حلومها *

وكنا قديما لا نقر ظُلامة إذا ما ثنوا صُعْر الخدود نُقيمها *

ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أجحارها من يرومها

بنا انتعش العود الذَّوَاء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها (2/ 105)

الوليد بن المغيرة و كيده للرسول ، وموقفه من القرآن

اجتماعه بنفر من قريش ليبيتوا ضد النبي صلى الله عليه و سلم

و اتفاق قريش أن يصفوا الرسول صلى الله عليه و سلم بالساحر ، و ما أنزل الله فيهم

ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ؛ قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ، فقلْ وأقمْ لنا رأيا نقول به ؛ قال : بل أنتم فقولوا أسمعْ ؛ قالوا : نقول كاهن ؛ قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ؛ قالوا : فنقول : مجنون ؛ قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ، ولا تخالجه ، ولا وسوسته ؛ قالوا : فنقول : شاعر ؛ قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ؛ قالوا : فنقول : ساحر ؛ قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم ؛ قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة – قال ابن هشام : (2/ 106) ويقال لغَدَق – وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته .

فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره .

فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة و في ذلك من قوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ، وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ، ومهَّدت له تمهيدا . ثم يطمع أن أزيد . كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ) : أي خصيما . (2/ 107)

قال ابن هشام : عنيد : معاند مخالف . قال رؤبة بن العجاج :

ونحن ضرابون رأس العُنَّدِ *

وهذا البيت في أرجوزة له .

( سأرهقه صعودا ، إنه فكر وقدر ، فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر ، ثم عبس وبسر ) .

قال ابن هشام : بسر : كره وجهه . قال العجاج :

مضبر اللحيين بسرا منهسا *

يصف كراهية وجهه . وهذا البيت في أرجوزة له .

( ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ، إن هذا إلا قول البشر ) .

رد القرآن على صحب الوليد

قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى : في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيما جاء به من الله تعالى : ( كما أنزلنا على المقتسمين . الذين جعلوا القرآن عضين . فوربك لنسئلنهم أجمعين . عما كانوا يعملون ) .

قال ابن هشام : واحدة العضين : عضة ، يقول : عضوه : فرقوه . قال رؤبة بن العجاج :

وليس دين الله بالمُعَضَّى *

وهذا البيت في أرجوزة له . (2/ 108)

تفرق النفر في قريش يشوهون رسالة الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس ، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .

شعر أبي طالب في معاداة خصومه

فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه ، قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها ، وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه ، فقال :

ولما رأيت القوم لا ود فيهمُ * وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وقد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

وقد حالفوا قوما علينا أظنّة * يعضون غيظا خلفنا بالأنامل

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض عضب من تراث المقاول

وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي * وأمسكت من أثوابه بالوصائل

قياما معا مستقبلين رتاجه * لدي حيث يقضي حلفه كل نافل

وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم * بمفضَى السيول من إساف ونائل (2/ 109)

موسمَّة الأعضاد أو قصراتها * مخُيَّسة بين السَّديس وبازل

ترى الودع فيها والرخام وزينة * بأعناقها معقودة كالعثاكل

أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو مُلحّ بباطل

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في الدين ما لم نحاول

وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل

وبالبيت ، حق البيت ، من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل

وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل (2/ 110)

وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورة وتماثل

ومن حج بيت الله من كل راكب ومن كل ذي نذر ومن كل راجل *

وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له * إلالٌ إلى مُفضَى الشراج القوابل

وتوقافهم فوق الجبال عشية * يقيمون بالأيدي صدور الرواحل

وليلة جمع والمنازل من منى * وهل فوقها من حرمة ومنازل

وجمع إذا ما المقربات أجزنه * سراعا كما يخرجن من وقع وابل

وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل

وكندة إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم حُجَّاج بكر بن وائل

حليفان شدا عقد ما احتلفا له * وردَّا عليه عاطفات الوسائل

وحطمهمُ سمُر الصفاح وسرحه * وشبرقة وَخْدَ النعام الجوافل (2/ 111)

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ * وهل من معيذ يتقى الله عاذل

يُطاع بنا أمر العدَّى وودّوا لو اننا * تُسد بنا أبواب ترك وكابل

كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلا أمركم في بلابل

كذبتم وبيت الله نُبزَى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله * و نذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قوم في الحديد إليكمُ * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

وحتى ترى ذا الضغن يركب رَدْعه من الطعن فعل الأنكب المتحامل *

وإنا لعمر الله إنْ جدَّ ما أرى * لَتلتبسنْ أسيافنا بالأماثل

بِكفَّيْ فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل

شهورا وأياما وحولا مجَرَّما * علينا وتأتي حِجة بعد قابل

وما ترك قوم ، لا أبا لك ، سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل

وأبيض يستقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهُلاّف من آل هاشم فهم عنده في رحمة وفواضل * (2/ 112)

لعمري لقد أجرى أسيد وبكره * إلى بغضنا وجزّآنا لآكل

وعثمان لم يربع علينا وقنفذ * ولكن أطاعا أمر تلك القبائل

أطاعا أُبيّا وابن عبد يغوثهم * ولم يرقبا فينا مقالة قائل

كما قد لقينا من سُبيع ونوفل * وكلٌّ تولى معرضا لم يجُامل

فإن يُلْقيا أو يمُكن الله منهما * نكلْ لهما صاعا بصاع المُكايل

وذاك أبو عمرو أبي غير بُغضنا * ليُظعننا في أهل شاء وجامل

يناجي بنا في كل ممسى ومصبح * فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل

ويُؤْلى لنا بالله ما إن يغشُّنا * بلى قد نراه جهرة غير حائل

أضاق عليه بغضنا كل تلعة * من الأرض بين أخشب فمجادل

وسائلْ أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضا كالمخاتل

وكنت امرأ ممن يُعاش برأيه * ورحمته فينا ولست بجاهل

فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح * حسود كذوب مبغض ذي دغاول

ومر أبو سفيان عني معرضا * كما مر قَيْلٌ من عظام المقاول (2/ 113)

يفر إلى نجد وبرد مياهه * ويزعم أني لست عنكم بغافل

ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيق ويخفي عارمات الدواخل

أمطعمُ لم أخذلك في يوم نجدة * ولا معظم عند الأمور الجلائل

ولا يوم خصم إذا أتوك ألدّة * أُولي جدل من الخصوم المساجل

أمطعم إن القوم ساموك خطة * وإني متى أُوكلْ فلست بوائل

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل

بميزان قسط لا يخُسّ شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل

ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * وآل قصي في الخطوب الأوائل

وسهم ومخزوم تمالوا وألَّبوا * علينا العدا من كل طمل وخامل (2/ 114)

فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل

لعمري لقد وهنتمُ وعجزتمُ * وجئتم بأمر مخطىء للمفاصل

وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم الْ آن * حطاب أَقدُر ومراجل

ليهنىء بني عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل

فإن نك قوما نتَّئر ما صنعتمُ * وتحتلبوها لقحة غير باهل

وسائط كانت في لؤي بن غالب * نفاهم إلينا كل صقر حُلاحل

ورهط نفيل شر من وطىء الحصى * وألأم حاف من معد وناعل

فأبلغ قصيا أن سيُنشر أمرنا * وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل

ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل

ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنا أٌسى عند النساء المطافل

فكل صديق وابن أخت نعده * لعمري وجدنا غِبَّه غير طائل

سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء إلينا من معقَّة خاذل (2/ 115)

وهنَّا لهم حتى تبدد جمعهم * ويحسر عنا كل باغ وجاهل

وكان لنا حوض السقاية فيهم * ونحن الكُدى من غالب والكواهل

شباب من المطيِّبين وهاشم * كبيض السيوف بين أيدي الصياقل

فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما * ولا حالفوا إلا شرار القبائل

بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم * ضواري أسود فوق لحم خرادل

بني أمة محبوبة هندكية * بني جمح عُبيد قيس بن عاقل

ولكننا نسل كرام لسادة * بهم نُعي الأقوام عند البواطل

ونعم ابن أخت القوم غير مكذَّب * زهير حساما مفردا من حمائل

أشمُّ من الشم البهاليل ينتمي * إلى حسب في حومة المجد فاضل

لعمري لقد كُلِّفت وجدا بأحمد وإخوته دأب المحب المواصل *

فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * وزينا لمن والاه رب المشاكل

فمن مثله في الناس أي مُؤمَّل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل

حليم رشيد عادل غير طائش * يوالي إلاها ليس عنه بغافل

فوالله لولا أن أجيء بسنة * تجُر على أشياخنا في المحافل

لكنا اتبعناه على كل حالة * من الدهر جِدّا غير قول التهازل

لقد علموا أن ابننا لا مكذَّب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل * (2/ 116)

فأصبح فينا أحمد في أرومة * تُقصِّر عنه سورة المتطاول

حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرا والكلاكل

فأيده ربُّ العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل

رجال كرام غير مِيل نماهم * إلى الخير آباء كرام المحاصل

فإن تك كعب من لؤي صُقيبة * فلا بد يوما مرة من تزايل

قال ابن هشام : هذا ما صح لي من هذه القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها .

الرسول عليه الصلاة والسلام يستقي لأهل المدينة حين أقحطوا ، فنـزل المطر ، وود لو أن أبا طالب حي ، ليرى ذلك

قال ابن هشام : وحدثني من أثق به ، قال : أقحط أهل المدينة ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشكوا ذلك إليه ، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستسقى ، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم حوالينا ولا علينا ، فانجاب السحاب عن المدبنة فصار (2/ 117) حوليها كالإكليل ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أردك أبو طالب هذا اليوم لسره ، فقال له بعض أصحابه : كأنك يا رسول الله أردت قوله :

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل

قال : أجل .

قال ابن هشام : وقوله ( وشبرقة ) عن غير ابن إسحاق .

ذكر الأسماء التى وردت في قصيدة أبي طالب

قال ابن إسحاق : والغياطل : من بني سهم بن عمرو بن هصيص ، وأبو سفيان بن حرب بن أمية . ومطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف . وزهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، و أمه عاتكة بنت عبدالمطلب .

قال ابن إسحاق : وأسيد ، وبكره : عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي . وعثمان بن عبيد الله ، أخو طلحة بن عبيد الله التيمي . وقنفذ بن عمير بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة . وأبو الوليد عتبة بن ربيعة . وأُبيّ الأخنس بن شريق الثقفي ، حليف بني زهرة بن كلاب .

قال ابن هشام : وإنما سمي الأخنس ، لأنه خنس بالقوم يوم بدر ، وإنما اسمه أُبي ، وهو من بني علاج ، وهو علاج بن أبي سلمة بن عوف بن عقبة . والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب . وسبيع بن خالد ، أخو بلحارث بن فهر . ونوفل بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وهو ابن العدوية . وكان من شياطين قريش ، وهو الذي قرن بين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما في حبل حين أسلما ، فبذلك كانا يُسميان (2/ 118) القرينين ؛ قتله علي بن أبي طالب عليه السلام يوم بدر . وأبو عمرو قُرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف .

( وقوم علينا أظنَّة ) : بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة ، فهؤلاء الذين عدد أبو طالب في شعره من العرب .

انتشار ذكر الرسول في القبائل خارج مكة ، و لاسيما في الأوس و الخزرج

فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب ، وبلغ البلدان ، ذكر بالمدينة ، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر ، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج ، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود ، وكانوا لهم حلفاء ، ومعهم في بلادهم . فلما وقع ذكره بالمدينة ، وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف . قال أبو قيس بن الأسلت . أخو بني واقف .

نسب أبي قيس بن الأسلت

قال ابن هشام : نسب ابن إسحاق أبا قيس هذا هاهنا إلى بني واقف ، ونسبه في حديث الفيل إلى خطمة ، لأن العرب قد تنسب الرجل إلى أخي جده الذي هو أشهر منه . (2/ 119)

قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة : أن الحكم بن عمرو الغفاري من ولد نُعيلة أخي غفار . وهو غفار بن مليل ، ونعيلة بن مليل بن ضمرة بن بكر ابن عبد مناة ، وقد قالوا عتبة بن غزوان السلمي ، وهو من ولد مازن بن منصور وسُليم بن منصور .

قال ابن هشام : فأبو قيس بن الأسلت : من بني وائل ؛ ووائل ، وواقف ، وخطمة إخوة من الأوس .

شعر ابن الأسلت في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق : فقال أبو قيس بن الأسلت – وكان يحب قريشا ، وكان لهم صهرا ، كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وكان يقيم عندهم السنين بامرأته – قصيدة يعظم فيها الحرمة ، وينهى قريشا فيها عن الحرب ، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض ، ويذكر فضلهم وأحلامهم ، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذكرهم بلاء الله عندهم ، ودَفْعَه عنهم الفيل وكيده عنهم ، فقال :

يا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عني لؤي بن غالب

رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأي محزون بذلك ناصب

وقد كان عندي للهموم معرَّس * فلم أقض منها حاجتي ومآربي

نُبيِّتكم شرجين كل قبيلة * لها أزمل من بين مُذْك وحاطب (2/ 120)

أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب

وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الأشافي وقعها حق صائب

فذكِّرهم بالله أول وهلة * وإحلال أحرام الظباء الشوازب

وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة * هي الغُول للأقصَين أو للأقارب

تُقطِّع أرحاما وتهلك أمة * وتَبرْي السديف من سنام وغارب

وتستبدلوا بالأتحمية بعدها * شليلا وأصداء ثياب المحارب

وبالمسك والكافور غُبرْا سوابغا * كأن قتيرَيْها عيون الجنادب

فإياكمُ والحرب لا تعلقنَّكم * و حوضا وخِيم الماء مر المشارب (2/ 121)

تزين للأقوام ثم يرونها * بعاقبة إذ بيَّنت ، أم صاحب

تحرق لا تُشوي ضعيفا وتنتحي * ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فتعتبروا أو كان في حرب حاطب

وكم قد أصابت من شريف مسوَّد * طويل العماد ضيفُه غير خائب

عظيم رماد النار يحُمد أمره * وذي شيمة محض كريم المضارب

وماء هُريق في الضلال كأنما * أذاعت به ريح الصبا والجنائب

يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها والعلم علم التجارب

فبيعوا الحراب مِلْمُحارب واذكروا * حسابكم والله خير محاسب (2/ 122)

وليّ امرىء فاختار دينا فلا يكن * عليكم رقيبا غير رب الثواقب

أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم * لنا غاية قد يهتدى بالذوائب

وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تُؤَمُّون ، والأحلام غير عوازب

وأنتم ، إذا ما حصل الناس ، جوهر * لكم سرة البطحاء شم الأرانب

تصونون أجسادا كراما عتيقة * مهذبة الأنساب غير أشائب

ترى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب هلكى تهتدي بعصائب

لقد علم الأقوام أن سراتكم * على كل حال خير أهل الجباجب

وأفضله رأيا وأعلاه سنة وأَقولُه للحق وسط المواكب *

فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الأخاشب

فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب

كتيبته بالسهل تمُسي ورَجْلُه * على القاذفات في رءوس المناقب

فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب (2/ 123)

فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله مِلْحُبْش غير عصائب

فإن تهلكوا نهلكْ وتهلكْ مواسم * يُعاش بها ، قول امرئ غير كاذب

قال ابن هشام : أنشدني بيته : ( وماء هريق ) ، وبيته : ( فبيعوا الحراب ) ، وقوله : ( ولي امرىء فاختار ) ، وقوله :

على القاذفات في رءوس المناقب *

أبو زيد الأنصاري وغيره .

حرب داحس والغبراء

قال ابن هشام : وأما قوله :

ألم تعلموا ما كان في حرب داحس *

فحدثني أبو عبيدة النحوي : أن داحسا فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قُطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان ؛ أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن زيد بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ، يقال لها : الغبراء .

فدس حذيفة قوما وأمرهم أن يضربوا وجه داحس إن رأوه قد جاء سابقا ، فجاء داحس سابقا فضربوا وجهه ، وجاءت الغبراء . فلما جاء فارس داحس أخبر قيسا الخبر ، فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء ، فقام حمَل بن بدر فلطم مالكا . ثم إن أبا الجُنَيْدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله ، ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله ، فقال حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر : (2/ 124)

قتلنا بعوف مالكا وهو ثأرنا * فإن تطلبوا منا سوى الحق تندموا

وهذا البيت في أبيات له . وقال الربيع بن زياد العبسي :

أفبعد مقتل مالك بن زهير * ترجو النساء عواقب الأطهار

وهذا البيت في قصيدة له .

فوقعت الحرب بين عبس وفزارة ، فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر ، فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثي حذيفة ، وجزع عليه :

كم فارس يُدعى وليس بفارس * وعلى الهباءة فارس ذو مَصْدَقِ (2/ 125)

فابكوا حذيفة لن تُرَثُّوا مثله * حتى تبيد قبائل لم تخلق

وهذان البيتان في أبيات له . وقال قيس بن زهير :

على أن الفتى حمل بن بدر بغى والظلم مرتعه وخيم *

وهذا البيت في أبيات له . وقال الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير:

تركت على الهباءة غير فخر * حذيفة عنده قصد العوالي

وهذا البيت في أبيات له .

قال ابن هشام : ويقال : أرسل قيس داحسا والغبراء ، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء ، والأول أصح الحديثين . وهو حديث طويل منعني من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حرب حاطب

قال ابن هشام : وأما قوله : ( حرب حاطب ) . فيعني حاطب بن الحارث ابن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، كان قتل يهوديا جارا للخزرج ، فخرج إليه يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج – وهو الذي يقال له : ابن فُسحم ، وفسحم أمه ، وهي امرأة من القين بن جسر – ليلا في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه ، فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا ، فكان الظفر للخزرج على الأوس ، وقتل يومئذ سويد بن صامت بن خالد بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، قتله المجذَّر بن ذياد البلوي ، واسمه عبدالله ، حليف بني عوف بن الخزرج .

فلما كان يوم أحد خرج المجذر بن ذياد (2/ 126) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج معه الحارث بن سويد بن صامت ، فوجد الحارث بن سويد غِرَّة من المجذر فقتله بأبيه . وسأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله تعالى . ثم كانت بينهم حروب منعني من ذكرها واستقصاء هذا الحديث ما ذكرت في حديث حرب داحس .

شعر حكيم بن أمية في نهي قومه عن عداوة الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق : وقال حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي ، حليف بني أمية وقد أسلم ، يورّع قومه عما أجمعوا عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان فيهم شريفا مطاعا :

هل قائل قولا هو الحق قاعد * عليه وهل غضبان للرشد سامعُ

وهل سيد ترجو العشيرةُ نفعه * لأقصى الموالي والأقارب جامع

تبرأت إلا وجه من يملك الصبا * وأهجركم ما دام مُدْل ونازع

وأُسلم وجهي للإله ومنطقي * ولو راعني من الصديق روائع

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سيدنا أبو بكر الصديق 5 : أدبه وتواضعه في التعامل مع الصحابة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد ...