الرئيسية » اسلاميات » الالتزام بالحجاب وقوة الشخصية المسلمة

الالتزام بالحجاب وقوة الشخصية المسلمة

الالتزامُ بالحجاب في هذه الأيام ليس دليلَ إيمان فقط؛ وإنما هو إلى جانب ذلك دليلُ قوةِ الشخصية لمن التزمت به من المسلمات، ودليل قوة الشخصية أيضًا لمن تأخُذُ به وتلتزم وتخرج من ذلك التقليد الأوربي العاري الذي أدخل على بلادنا وعلى المسلمين في فترة غَيبتهم عن الدِّين إمعانًا في سلخِ شخصيتهم وتعريتها من كل الفضائل وكل مقوِّمات الحياة، حتى يذهبوا بها بعيدًا عن الإسلام؛ كي يتم لهم الاستيلاءُ على المسلمين كأشخاص مستعبَدين، وعلى أرض المسلمين كأرض تُنبت لهم التِّبْرَ والماس.

وفي الواقع فإن هذه الحركةَ كانت غارةً على الدِّين الإسلامي، كما أنهم بجيوشهم العسكرية كانوا غارةً على الأرض الإسلامية، وإذا كانت جيوشهم قد انحسرت – أو في سبيل تمام الانحسار إن شاء الله – فإن غارتَهم على الدِّين الإسلامي لا تزال باقيةً، ولا تزال توجه نحو تعاليم الإسلام، ونحو أشخاص المسلمين والمسلمات، إما من بلادهم وهم هناك، وإما بدُعاتهم المأجورين بيننا، الذين نسُوا الله فأنساهم أنفسهم وأنساهم دِينهم، وأنساهم أمَّتهم، وبدؤوا يعمَلون على أرض إسلامية وبين صفوف المسلمين على محوِ الشخصية المسلمة، وتحويلها إلى ذلك المسخ الغربي الشائه الذي لا يستقيم مع الدِّين، ولا يستقيم مع العقل، فأصبحنا نجدُ المرأة المسلمة والفتاة المسلمة سائرةً في الطريق العام وخارج بيتها حاسرةً رأسها، كاشفة عن صدرها وعنقِها، وأجزاء أخرى من جسمِها حسب تصميم (الموضة) التي تتبعها.. وهي تتباهى بذلك، مدَّعِية أن هذا هو التطور، وأن هذا هو رمزُ المدنيَّة والتقدُّم.

ومما يجعل الحسرةَ حسراتٍ، أن البعضَ ممن يُقحمون أنفسهم في التحدُّث في الدِّين وباسم الدِّين – يروِّج لمثل هذه (الموضة)، ويدافع عنها، وينسى آياتِ الكتاب الكريم التي جاءت في ذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 59]، وينسى كذلك قولَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ومنه: ((صِنفان من أهلِ النَّارِ لم أرَهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقرِ يضرِبون بها الناسَ، ونساءٌ كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسُهن كأسنمةِ البُخت المائلة، لا يدخُلْن الجنَّةَ، ولا يجِدْنَ ريحَها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)).

هذا هو الجو الذي يحيط بنا الآن، والذي يراد به فتنةُ المرأة المسلمة والمسلمين عن دِينهم، ولكن المؤمنة والمتبصرة بالدِّين هي التي تلتزم بشخصيتها كفتاةٍ مسلمة أو كامرأة مسلمة، وتعرف زيَّ المرأة في الإسلام فتلتزم به، وهو ما بدأ كظاهرةٍ قوية بين صفوف المسلمات الآن، والمرأةُ المسلمة أو الفتاة المؤمنة بهذا قد دلَّت على أنها ذاتُ بصرٍ، وذات عِلم، وذات قوة في الدِّين، وأن نفسيتَها هي النفسُ الفِطرية التي برَأها اللهُ على الإسلام، وألهمها الفجورَ والتقوى[1]، فاختارت جانبَ التَّقوى، وعمِلت بكتاب الله وسنَّة رسوله، والتزمت بالحجابِ الإسلامي زيًّا واحتشامًا.

والذي نراه في أمر هذه المرأة أنها أوتيت من قوةِ الإيمان ما أقام شخصيتَها، وحفِظ عليها نفسَها دون تشويهٍ، فنظرت فيما حولها من مدنيَّة باطلة، ومظاهرَ للسفور باغية، وفتنة للناس عن الدِّين، وتقليد أعمى لِما عليه النساء الكافرات، فرَمَتْ بذلك كلِّه إلى أسفل سافلين، واختارت أحسنَ التقويم الذي أراده الله لها، ولبِست واختمرت وحققت الزيَّ الإسلامي في نفسها، ودعت زميلاتِها وقريباتها إليه، فأثبتت بذلك أنها هي التي تقودُ نفسَها بنفسها، وأنها تقودُ ولا تُقادُ، وأنها متوافقة نفسيًّا وعمليًّا مع عقيدتها وإيمانها، فهي إذا قالت: إني مسلمة، نطق مظهرُها بذلك، وتحدث عملُها عن هذا الإيمان والإسلام، ورأى الناس فيها اكتمالاً للشخصية، وتوافقًا للمظهر مع المخبر.

أما الأخرى التي لا تحتشم ولا تُطيع الله ورسولَه في ملبَسِها، فإن الناس ينظرون إليها على أنها موزعة الشخصية، ولا هي بالمسلمة في شكلها، ولا بالكافرة إذ قالت: إني مسلمة؛ فهي مذبذبة، وهذه – كما نرى – لا شخصيةَ لها!

كيف تنتسب إلى الإسلام وتجهل الإسلام؟! أو كيف تنتسب إلى الإسلام وتعلَمُه ولا تعمل به، وتظهر بين الناس بمظهر المعطِّل لأحكامه وشريعته؟! أليس هذا انعدامَ شخصية وانعدام مبدأ وانعدام رأي؟!

إن بعضَهن يقُلْن: إننا مقتنعاتٌ بضرورة هذا الزي الإسلامي ووجاهته، ولكننا نجد المجتمع من حولنا لا يسير عليه، فنجد خجلاً أن نظهر في وسط مَن حولنا ممن هن على التقليد الغربي بذلك المظهر الإسلامي.. وهذا في غاية ضعفِ الشخصية، وضعف الإيمان، وعدم الصِّدق مع النفس، وهذا ما يُسمَّى بالجبن الدِّيني، وصاحبته أو صاحبه في حاجة إلى الشجاعة الدِّينية التي لا تخاف في الله لومة لائم، والتي لا تعطل الحقَّ من أجل مجتمع قد ضلَّ طريقَه، واتَّبَع هواه، واقتاده الأجانب إلى حيث لا يدري.

نحن أحوجُ ما نكون إلى هذه الشجاعة الدِّينية، وهي ليست إلا الجرأةَ في الحق، والإقدامَ على إعلانه، كما أن أصحابَ الباطل يُقدِمون على باطلهم بجرأة ويُقدِّمونه بوقاحة!

إنه لمن المنطق المعكوس، والتفكير المهتز، أن أكون جريئًا في الباطل، وأقلِّد الغير، وأعمل الأعمال التي أعتقد أنها ليست على الشريعة ولا من الدِّين، احترامًا لتقاليد الناس حولي، ولإطباقهم على هذا الباطل، ثم لا أجرؤ على إعلان الحقِّ وعمله، والالتزام به، وإنه إن دلَّ على شيء فإنما يدل على ضياع الشخصية، بل إلغائها من الوجود، وصاحب هذه النفسية لا شخصيةَ له، ولا إنسانية له، وإنما هو كالحيوانِ الأعجم يُقاد فينقاد، وهذا هو الشخصُ (الإمَّعة) الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: ((لا يكُنْ أحدُكم إمَّعة، يقول: إن أحسَن الناس أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ، ولكن وطِّنوا أنفسكم إذا أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتَهم)).

إنه من قوة الشخصية، ومن قوة الإيمان، أن يتوافق الإنسانُ مع نفسِه، ومع عقيدته ودِينه.

والأجدرُ بكِ أيتها المرأة المسلمة والفتاة المسلمة، أن تجلسي مع نفسِك ساعة، وتنظري فيما عليه التقليدُ الخاطئ، وفيما جاء به الدِّين وأمَر به الله، وتخيِّري نفسك بين طريق الله، وطريق الشيطان، أو طريق التقليد الخاطئ، ولو نظرتِ لوجدتِ نفسَك بإيمانها قد أقبلت على طريقِ الله، والأخذ بما شرع، وترك التقليد الخاطئ، وما عليه الناس من باطل، وهنا قوةُ الشخصية التي ننشُدُها في الفتاة المسلمة وفي الأم المسلمة، وهذه هي الشجاعة الدِّينية التي تُطلَب للشخص إلى جانب الشجاعة الأدبية والشجاعة الجسمية، وكما كنا جريئين من قبلُ في الباطل، فلتكُنْ لنا الجرأةُ في الحق، وبالحق، والله الموفِّق.

المصدر : موقع الالوكة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التوحيد

قال صلى الله عليه وسلم: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا” ...