الرئيسية » اسلاميات » العناية بالطهارة والنظافة في الإسلام

العناية بالطهارة والنظافة في الإسلام

الإسلام دين طهارة ونظافة، دعا المسلمين إلى العناية بها وجعْلها شَعيرةً من شعائر الدين، وركيزة من ركائزه، وفريضة من فرائضه، بل جعلها شرطًا من شروط أكبر العبادات، وأعظم الفرائض والواجبات، ألا وهي الصلاة، ولقد أمر الله – سبحانه وتعالى – رسوله ونبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحفاظ والدوام على التكبير، وعقبه بالتطهير؛ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 3، 4]، يقول الإمام فخر الدين الرازي: “إذا ترك لفظ الثياب والتطهُّر على ظاهره وحقيقته، فيكون المراد منه أنه عليه الصلاة والسلام أُمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار”؛ (التفسير الكبير، للرازي)، وإنَّ الطهارة والنظافة من الأخلاق الكريمة الفاضِلة، والعادات الطيبة السامية في الإسلام، ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الطهارة شطرَ الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم: ((الطَّهور شَطْر الإيمان))؛ صحيح مسلم، رقم: 223، ولقد دعا الإسلام أتباعه إلى العناية البالغة بالطهارة والنظافة عند القيام إلى الصلاة؛ ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، من هنا ندرك مدى أهمية الطهارة، وعِظم درجتها، وعلوِّ مرتبتها في شرعة الإسلام، ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على الاعتناء بالطهارة، والاهتمام بالنَّظافة بشتَّى الطرُق والسبُل، فمرة قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله طيِّب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جوادٌ يحبُّ الجُود، فنظِّفوا أفنيتكم ولا تشبَّهوا باليهود))؛ سنن الترمذي، باب ما جاء في النظافة، 5 / 111رقم: (2799)، سبحان الله تنظيف أفنية البيوت تحلُّ هذا المحل، وتشغل هذا الحيز من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بالبيوت ذاتها وكيف بساكني هذه البيوت أنفسهم؟!

لا شك أن الإسلام يُحتِّم على المسلمين العناية البالغة والرعاية الكاملة لهذا الجانب من الطهارة والنظافة، وهذا من العيب الشديد أن تقصّر الشعوب المسلمة في العالم الإسلامي والعالم العربي في هذا الجانب المهمِّ مِن الدِّين، وأن تكون عرضةً لنقد الآخرين، وسببًا في تشويه صورة الإسلام والمسلمين في عصر نرى فيه أمم الأرض تولي هذا الجانب اهتمامًا بالغًا، ويقول نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مدويًّا مجلجلاً: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا))؛ صحيح مسلم، رقم: (1015) وإن الطهارة تجلب محبة الله – عز وجل – وتقرِّب صاحبها إلى الله زلفى، وهي تساوي التوبة التي هي سبب صفاء النفوس ونقائها من أرجاس المعاصي، وأدران الذنوب؛ يقول الرب – عز وجل – : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل النظافة والطهارة تزيد المؤمن إيمانًا وتَدعوه إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن))؛ سنن ابن ماجه، رقم: (278) وقد بلغت أهمية الطهارة مبلغها؛ حيث إن الله – سبحانه وتعالى – ذكَرها وذكر كيفية القيام بها في أوضح بيان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6].

والطهارة كفارة للذنوب، وسبب لمُضاعَفة الأجور، ومَنهاة عن الفسق والفجور، ونور وضياء لصاحبه يوم العرض والنشور؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا توضَّأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرَج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتْها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًّا من الذنوب))؛ صحيح مسلم، رقم: (244)، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أكيد بتطهير الأجسام والأجساد وضمن به تطهير القلوب، وتزكية النفوس، فقال صلى الله عليه وسلم: ((طهِّروا هذه الأجساد طهَّركم الله؛ فإنه ليس من عبد يَبيت طاهرًا إلا بات معه في شعارِه ملك ولا يَنقلِب ساعة من الليل إلا قال: اللهمَّ اغفِرْ لعبدك فإنه بات طاهرًا)) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، رقم: (17074)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب البياض في الثياب ويأمر بها أصحابه رضي الله عنه ويقول: ((البَسوا البياض؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفِّنوا فيها موتاكم))؛ سنن الترمذي، رقم: (2810)، يقول العلماء في بيان حكمة البياض في الثياب: “ولأن اللون الأبيض أقل الألوان اكتنازًا للحرارة، ولأن الوسخ والنجاسة يظهران عليها بجلاء، وذلك مدعاة لتنظيفها وتطهيرها وعدم إهمالها”.

وكان صلى الله عليه وسلم يكره الثوب الوسخ القذر وينهى عنه؛ فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال: “أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرًا في منزلنا فرأى رجلاً شعثًا فقال: ((أما كان يجد هذا ما يسكِّن به شعره))؟ ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال: ((أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه))؛ صحيح ابن حبان، رقم: (5483)، وقالت الحكماء: ((من نظَّف ثوبه قلَّ همُّه، ومَن طاب ريحه زاد عقله))، وقد دلَّ نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم أمته على خصال وخلال يتحقَّق بالقيام بها والحفاظ عليها الطهارة والنظافة على أحسن وجه وأكمله؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عشْرٌ مِن الفِطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتْف الإبط، وحلْق العانة، وانتقاص الماء))، – يعني الاستنجاء بالماء – قال زكريا: قال مصعب: “ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المضمضة”؛ (سنن أبي داود، رقم: 53) والتخليل بين الأصابع والمبالغة في الاستنشاق من آكد الأمور في الوضوء؛ سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء” فقال: ((أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستِنشاق إلا أن تكون صائمًا))؛ صحيح ابن حبان، رقم: (1054)، وقد دعا الإسلام أتباعه إلى طهارة الأبدان والأجساد من الأنجاس والأرجاس، ونظافة الأمكنة والأثواب من الأوساخ والأقذار، تحصينًا لصحَّتهم داخلاً وخارجًا، وتوفيرًا لهم الأمن والخلاص من جميع الأذى والمضار، ووقايةً لهم من جميع الأمراض والأسقام والأخطار، وضمانًا لهمِّ الروح والسرور والبهجة والحبور؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل))؛ سنن أبي داود، رقم: (26)، ورأى صلى الله عليه وسلم أناسًا لم يهتموا بتنظيف أسنانهم وأفواههم فأنكر صلى الله عليه وسلم عليهم؛ كما ورد في الحديث: كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَستاكوا، فقال: ((تدخلون عليَّ قلحًا؟ استاكوا، فلولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء))؛ تحفة المحتاج (1 / 179)، استاكوا وتنظفوا.

وقد أمر الله – سبحانه وتعالى – عبديه ونبيَّيْه إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيته الحرام؛ ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: 125]، فالمساجد كلها بيوت الله، وفيها يركع الراكعون ويَسجد الساجدون، ويَعكف العاكِفون، ويَذكر الذاكرون، فلا بد مِن تطهيرها وتنظيفها وتجميرها وتبخيرها؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظَّف وتطيَّب” سنن الترمذي، رقم: (594)، فالنُّخاعة التي تكون في المسجد ولا تُدفن وُجِدت في مساوئ الأعمال؛ كما رُوي عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عُرضت عليَّ أعمال أمتي حسَنُها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخاعة تكون في المسجد لا تُدفَن))؛ صحيح مسلم، رقم: (553)، وقال صلى الله عليه وسلم: ((البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها))؛ صحيح البخاري، رقم: (415)، صحيح مسلم، رقم: (552)، وهكذا بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالثواب الكبير والأجر الجزيل لمن أماط الأذى عن الطريق؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لقد رأيتُ رجلاً يتقلَّب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس))؛ صحيح مسلم، رقم: (1914)، وإماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان؛ كما ورد في الحديث: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأوضعها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))؛ سنن النسائي، رقم: (5005)، وورد في الحديث النبوي الشريف الأمر بتخمير الأواني وإيكاء الأسقية ترغيبًا في الطهارة وحثًّا على النظافة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((خمِّروا الآنية، وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، فإن الفُويسقة ربما جرَّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت))؛ صحيح البخاري، رقم: (6295)، سنن الترمذي، رقم: (2857)، ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يبول الإنسان في مكانِ الاستِحمام صونًا له من النجاسة، وحفاظًا على الطهارة، وبعدًا عن تردُّد الوسواس ببقاء النجاسة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يبولنَّ أحدكم في مستحمِّه ثم يَغتسل فيه؛ فإن عامة الوسواس منه))؛ سنن أبي داود، رقم: (27)، وأمر الإسلام بتطهير الإناء إذا ولغ الكلب فيه سبع مرات بالماء؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات))؛ سنن النسائي، رقم: (64)، وفي رواية له: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب))؛ سنن النسائي، رقم: (338).

هذا هو دين الإسلام، دين الفطرة التي فُطر الناس عليها، يوجب على الناس كل ما فيه خيرهم وصلاحهم، ويُحرِّم عليهم كل ما فيه شرهم وفسادهم، فكما أوجب عليهم طهارة الأبدان من الأنجاس والأقذار أوجب عليهم طهارة القلوب من الأضغان والأحقاد؛ يقول الرب – عز وجل -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم))، وأشار بأصابعه إلى صدره؛ صحيح مسلم، رقم: (2564).

وجعل الإسلام الاغتسال والاستحمام وسيلة ناجعة للطهارة والنظافة فدعا الناس إليها، وحثَّهم عليها، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة، وبهم وسخ، فإذا أصابهم الروح سطعت أرواحهم، فيتأذى بها الناس، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أوَلا يَغتسلون؟))؛ صحيح مسلم، رقم: (1379)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))؛ صحيح مسلم، رقم: (846)، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل))؛ سنن أبي داود، رقم: (340)، فليحافظ المسلم على النظافة والطهارة، وليحتسب الأجر والثواب عند الله – عز وجل – وليقدم للناس صورة رائعة للإسلام والمسلمين متمثلة في الطهارة والنظافة في ظاهره وباطنه، في ملبسه، ومسكنه، ومكتبه، ومحلِّه، ومتجرِه، حتى يكون شامةً بين الناس، وما ذلك على الله بعزيز، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وأصحابه وبارك وسلَّم.

المصدر : موقع الالوكة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التوحيد

قال صلى الله عليه وسلم: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا” ...