الرئيسية » قصص و عبر » السيرة النبوية الشريفة » ما دار بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين رؤساء قريش ، و تفسير لسورة الكهف

ما دار بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين رؤساء قريش ، و تفسير لسورة الكهف

قريش تفتن المسلمين ، و تستمر على تعذيب من أسلم

قال ابن إسحاق : ثم ان الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء ، وقريش تحبس من قدرت على حبسه ، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين ، ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة ، كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير ، وعن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال :

زعماء قريش تفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم

اجتمع عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والنضر ابن الحارث بن كلدة ، أخو بني عبدالدار ، وأبو البختري بن هشام ، والأسود بن المطلب بن أسد ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام وعبدالله بن أبي أمية ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان ، وأمية بن خلف ، أو من اجتمع منهم . قال : اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه ، فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ، فأتهم ؛ فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا ، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء ، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، (2/ 133) حتى جلس إليهم ؛ فقالوا له : يا محمد ، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت الآلهة ، وسفهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ، فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك – أو كما قالوا له – فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك – وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا – فربما كان ذلك ، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، أونُعذر فيك ؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالات ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

قالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ، ولا أقل ماء ، ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به ، فَلْيُسيـِّرْ عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل ، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ، وعرفنا به منزلتك من الله ، وأنه بعثك رسولا كما تقول . (2/ 134) فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه : ما بهذا بعثت إليكم ، إنما جئتكم من الله بما بعثني به ، وقد بلغتكم ما أُرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى ، حتى يحكم الله بيني وبينكم .

قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا ، فخذ لنفسك ، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم ، وتلتمس المعاش منا كما تلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بُعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا – أو كما قال – فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم .

قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك إلى الله ، إن شاء أن يفعله بكم فعل .

قالوا : يا محمد ، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا ، إذ لم نقبل منك ما جئتنا به ! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له : الرحمن ، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك ، أو تهلكنا . وقال قائلهم : (2/ 135) نحن نبعد الملائكة ، وهي بنات الله . وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا . (2/ 136)

حديث عبدالله بن أبي أمية مع رسول الله صلى الله عليه و سلم

فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام عنهم ، وقام معه عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم – وهو ابن عمته ، فهو لعاتكة بنت عبدالمطلب – فقال له : يا محمد ، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ، ومنزلتك من الله ، فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب ، فلم تفعل – أو كما قال له – فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وأيم الله ، لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ، ولما رأى من مباعدتهم إياه .

أبو جهل يتوعد الرسول صلى الله عليه وسلم

فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال أبو جهل : يا معشر قريش ، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أُطيق حمله – أو كما قال – فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ؛ قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبدا ، فامض لما تريد .

ما حدث لأبي جهل حين هم بإلقاء الحجر على الرسول صلى الله عليه و سلم

فلما أصبح أبو جهل ، أخذ حجرا كما وصف ، ثم جلس لرسول (2/ 137) الله صلى الله عليه وسلم ينتظره ، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام ، فكان إذا صلى صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يـبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده ، وقامت إليه رجال قريش ، فقالوا له : ما لك يا أبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، لا والله ما رأيت مثل هامته ، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط ، فهمَّ بي أن يأكلني .

قال ابن إسحاق : فذُكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ذلك جبريل عليه السلام ، لو دنا لأخذه .

النضر بن الحارث ينصح قريشا بالتدبر فيما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم

فلما قال لهم ذلك أبو جهل ، قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي .

قال ابن هشام : ويقال النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف .

قال ابن إسحاق : فقال : يا معشر قريش ، إنه والله قد نزل بكم (2/ 138) أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به ، قلتم ساحر ، لا والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ؛ وقلتم كاهن ، لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم ؛ وقلتم شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها : هزجه ورجزه ؛ وقلتم مجنون ، لا والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه ، يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم .

أذى النضر بن الحارث للرسول صلى الله عليه وسلم

وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينصب له العداوة ، وكان قد قدم الحيرة ، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس ، وأحاديث رستم واسبنديار ، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكَّر فيه بالله ، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : أنا والله يا معشر قريش ، أحسن حديثا منه ، فهلم إلي ، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ، ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثا مني ؟ .

قال ابن هشام : وهو الذي قال فيما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله .

قال ابن إسحاق : وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول – فيما بلغني – : نزل فيه ثمان آيات من القرآن : قول الله عز وجل : ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) . وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن . (2/ 139)

قريش تسأل أحبار اليهود في شأنه عليه الصلاة والسلام

فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه ، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا .

فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ؛ فإنه قد كان لهم حديث عجب ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ، وسلوه ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه ، فإنه نبي ، وإن لم يفعل ، فهو رجل متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم .

فأقبل النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي حتى قدما مكة على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها ، فإن أخبركم عنها فهو نبي ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فرَوْا فيه رأيكم . (2/ 140)

قريش تسأل والرسول يجيب

فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب ؛ وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ؛ وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ قال : فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبركم بما سألتم عنه غدا ، ولم يستثن ، فانصرفوا عنه .

فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيما يذكرون – خمس عشرة ليلة لا يحُدث الله إليه في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ، وقالوا : وعدنا محمدا غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة : ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية ، والرجل الطواف ، والروح .

الرد على قريش فيما سألوه

قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه : لقد احتبست عني يا جبريل حتى سُؤت ظنا ؛ فقال له جبريل : ( وما نتنـزَّل إلا بأمر ربك ، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ، وما كان ربك نسيا ) . فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله ، لما أنكروه عليه من ذلك ، فقال : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، إنك رسول مني : أي تحقيق لما سألوه عنه من (2/ 141) نبوتك . ( ولم يجعل له عوجا قيما ) أي معتدلا ، لا اختلاف فيه . ( لينذر بأسا شديدا من لدنه ) : أي عاجل عقوبته في الدنيا . وعذابا أليما في الآخرة : أي من عند ربك الذي بعث رسولا . ( ويـبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ، ماكثين فيه أبدا ) : أي دار الخلد . ( لا يموتون فيها ) الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال . ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) يعني قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة ، وهي بنات الله . ( ما لهم به من علم ولا لآبائهم ) الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم . ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) : أي لقولهم : إن الملائكة بنات الله . ( إن يقولون إلا كذبا ، فلعلك باخع نفسك ) يا محمد ( على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) : أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم : أي لا تفعل .

قال ابن هشام : باخع نفسك ، أي مهلك نفسك ، فيما حدثني أبو عبيدة . قال ذو الرمة : (2/ 142)

ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه * لشيء نحَتْه عن يديه المقادرُ

وجمعه : باخعون وبخعة . وهذا البيت في قصيدة له . وتقول العرب : قد بخعت له نصحي ونفسي ، أي جهدت له . ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) .

قال ابن إسحاق : أي أيهم أتبع لأمري ، وأعمل بطاعتي . ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) : أي الأرض ، وإن ما عليها لفان وزائل ، وإن المرجع إلي ، فأجزي كلا بعمله ، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها .

قال ابن هشام : الصعيد : الأرض ، وجمعه : صعد . قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا :

كأنه بالضحى ترمي الصعيد به * دبَّابة في عظام الرأس خرطومُ

وهذا البيت في قصيدة له . والصعيد أيضا : الطريق . وقد جاء في الحديث : إياكم والقعود على الصعدات . يريد الطرق . والجرز : الأرض التي لا تنبت شيئا ، وجمعها : أجراز . ويقال : سنة جرز ، وسنون أجراز ، وهي التي لا يكون فيها مطر ، وتكون فيها جُدوبة ويُبْس وشدة . قال ذو الرمة يصف إبلا :

طوى النحز والأجراز ما في بطونها * فما بقيت إلا الضلوع الجراشع (2/ 143)

وهذا البيت في قصيدة له .

ما أنزله الله في قصة أهل الكهف

قال ابن إسحاق : ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية ، فقال : ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) : أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعجب من ذلك .

قال ابن هشام : والرقيم : الكتاب الذي رُقم فيه بخبرهم ، وجمعه : رُقُم . قال العجاج :

ومستقر المصحف المرقَّمِ *

وهذا البيت في أرجوزة له .

قال ابن إسحاق : ثم قال تعالى : ( إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا . فضربنا (2/ 144) على آذانهم في الكهف سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) . ثم قال تعالى : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) : أي بصدق الخبر عنهم ( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ، لقد قلنا إذا شططا ) : أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم .

قال ابن هشام : والشطط : الغلو ومجاوزة الحق . قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :

لا ينتهون ولا ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتلُ

وهذا البيت في قصيدة له .

( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين ) .

قال ابن إسحاق : أي بحجة بالغة .

( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا . وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ، ويهيئ لكم من أمركم مرفقا . وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ، وهم في فجوة منه ) . (2/ 145)

قال ابن هشام : تزاور : تميل ، وهو من الزور . وقال امرؤ القيس بن حجر :

وإني زعيم إن رجعت مملكا * بسير ترى منه الفُرانق أزورا (2/ 146)

وهذا البيت في قصيدة له . وقال أبو الزحف الكليبـي يصف بلدا :

جأب المندَّى عن هوانا أزورُ * يُنضي المطايا خمسه العَشَنـْزَرُ

وهذان البيتان في أرجوزة له . و ( تقرضهم ذات الشمال ) : تجاوزهم وتتركهم عن شمالها . قال ذو الرمة :

إلى ظُعْن يقرضن أقواز مشرف * شمالا وعن أيمانهنّ الفوارسُ

وهذا البيت في قصيدة له . والفجوة : السعة ، وجمعها : الفجاء . قال الشاعر :

ألبست قومك مخزاة ومنقصة * حتى أُبيحوا وخلوا فجوة الدارِ

( ذلك من آيات الله ) أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ، ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم .

( من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) .

قال ابن هشام : الوصيد : الباب . قال العبسي ، واسمه عُبيد بن وهب :

بأرض فلاة لا يسد وصيدها * علي ومعروفي بها غير منكر

وهذا البيت في أبيات له . والوصيد أيضا : الفناء ، وجمعه : وصائد ، ووصد ، ووصدان ، وأصد ، وأصدان .

( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ، ولملئت منهم رعبا ) …(2/ 147) إلى قوله : ( قال الذين غلبوا على أمرهم ) أهل السلطان والملك منهم : ( لنتخذن عليهم مسجدا ، سيقولون ) يعني أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم : ( ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ، رجما بالغيب ) : أي لا علم لهم . ( ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ، قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ، فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ) : أي لا تكابرهم . ( ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) فإنهم لا علم لهم بهم .

( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ، واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) : أي ولا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا : إني مخبركم غدا . واستثن شِيْئَة الله ، واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين ربي لخير مما سألتموني عنه رشدا ، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك . ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا ) : أي (2/ 148) سيقولون ذلك . ( قل الله أعلم بما لبثوا ، له غيب السماوات والأرض ، أبصر به وأسمعْ ما لهم من دونه من ولي ، ولا يشرك في حكمه أحدا ) أي لم يخف عليه شيء مما سألوك عنه .

ما أنزل الله تعالى في خبر الرجل الطواف ذي القرنين

وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطواف : ( ويسئلونك عن ذي القرنين ، قل سأتلو عليكم منه ذكرا . إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا . فأتبع سببا ) حتى انتهى إلى آخر قصة خبره .

خبر ذي القرنين

وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتى ما لم يؤت أحد غيره ، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها ، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها ، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق .

قال ابن إسحاق : فحدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما (2/ 149) توارثوا من علمه : أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر ، اسمه مرزُبان بن مرذبة اليوناني ، من ولد يونان بن يافث بن نوح .

قال ابن هشام : واسمه الإسكندر ، وهو الذي بنى الإسكندرية فنسبت إليه .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي ، وكان رجلا قد أدرك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال : ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب .

وقال خالد : سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقول : يا ذا القرنين ؛ فقال عمر : اللهم غفرا ، أما رضيتم أن تسمَّوْا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة .

قال ابن إسحاق : الله أعلم أي ذلك كان ، أقال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم لا ؟ فإن كان قاله ، فالحق ما قال .

ما أنزل الله تعالى في أمر الروح

وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح : ( ويسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .

سؤال يهود المدينة للرسول صلى الله عليه و سلم عن المراد من قوله تعالى : ( و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) .

قال ابن إسحاق : وحُدثت عن ابن عباس ، أنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، قالت أحبار يهود : يا محمد ، أرأيت قولك : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) إيانا تريد ، أم قومك ؟ قال : كلا ؛ قالوا : فإنك تتلو فيما جاءك : أنا (2/ 150) قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها في علم الله قليل ، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه . قال : فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ، إن الله عزيز حكيم ) : أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل .

ما أنزل الله تعالى بشأن طلبهم تسيير الجبال وبعث الموتى

قال : وأنزل الله تعالى عليه فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال ، وتقطيع الأرض ، وبعث من مضى من آبائهم من الموتى : ( ولوأن قرآنا سُيرِّت به الجبال ، أو قُطعت به الأرض ، أو كُلم به الموتى ، بل لله الأمر جميعا ) : أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت .

ما أنزل الله تعالى رداً على قولهم للرسول صلى الله عليه وسلم : خذ لنفسك

وأُنزل عليه في قولهم : خذ لنفسك ، ما سألوه أن يأخذ لنفسه ، أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا ، ويبعث معه ملكا يصدقه بما يقول ، ويرد عنه : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق لولا أُنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ، أو يُلقى إليه كنـز ، أو تكون له جنة يأكل منها ، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا . اُنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ، تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) : أي من أن تمشي في الأسواق وتلتمس المعاش ( جنات تجري من تحتها الأنهار ، ويجعلْ لك قصورا ) .

لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي لفعلت

وأُنزل عليه في ذلك من قولهم : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون (2/ 151) وكان ربك بصيرا ) : أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا ، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخُالَفوا لفعلت .

القرآن يرد على ابن أبي أمية

وأنزل الله عليه فيما قال عبدالله بن أبي أمية : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ، ولن نؤمن لرقيك حتى تنـزل علينا كتابا نقرؤه ، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) .

قال ابن هشام : الينبوع : ما نبع من الماء من الأرض وغيرها ، وجمعه : ينابيع . قال ابن هَرْمة ، واسمه إبراهيم بن علي الفهري .

وإذا هرقت بكل دار عبرة * نُزف الشئون ودمعك الينبوع

وهذا البيت في قصيدة له . والكسف : القطع من العذاب ، وواحدته : كسفة ، مثل سدرة وسدر . وهي أيضا : واحدة الكسف . والقبيل : يكون مقابلة ومعاينة ، وهو كقوله تعالى : ( أو يأتيهم العذاب قبلا ) : أي عيانا . وأنشدني أبو عبيدة لأعشى بني قيس بن ثعلبة :

أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها * كصرخة حُبْلى يسَّرتها قبيلُها (2/ 152) يعني القابلة ، لأنها تقابلها وتقبل ولدها . وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : القبيل : جمعه قُبُل ، وهي الجماعات ، وفي كتاب الله تعالى : ( وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ) فقُبل : جمع قبيل ، مثل سبل : جمع سبيل ، وسرر : جمع سرير ، و قمص : جمع قميص . والقبيل أيضا : في مثل من الأمثال ، وهو قولهم : ما يعرف قبيلا من دبير : أي لا يعرف ما أقبل مما أدبر ؛ قال الكميت بن زيد :

تفرقت الأمور بوجهتيهم * فما عرفوا الدَّبـيـر من القَبيلِ

وهذا البيت في قصيدة له ، ويقال : إنما أريد بهذا القبيل : الفتل ، فما فتل إلى الذارع فهو القبيل ، وما فتل إلى أطراف الأصابع فهو الدبير ، وهو من الإقبال والإدبار الذي ذكرت . ويقال : فتل المغزل . فإذا فُتل المغزل إلى الركبة فهو القبيل ، وإذا فتل إلى الورك فهو الدبير . والقبيل أيضا : قوم الرجل . والزخرف : الذهب . والمزخرف : المزين بالذهب . قال العجاج :

من طلل أمسى تخال المصحفا * رسومه والمذهب المزخرفا

وهذان البيتان في أرجوزة له ، ويقال أيضا لكل مزيَّن : مزخرف .

نفي القرآن أن رجلا من اليمامة يعلمه

قال ابن إسحاق : وأُنزل في قولهم : إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة ، يقال له الرحمن ، ولن نؤمن به أبدا : ( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن ، قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ، وإليه متاب ) . (2/ 153)

ما أنزله الله تعالى في أبي جهل و ما هم به

وأُنزل عليه فيما قال أبو جهل بن هشام ، وما هم به : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ، أرأيت إن كذب وتولى ، ألم يعلم بأن الله يرى ، كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ، ناصية كاذبة خاطئة ، فليدع ناديه ، سندع الزبانية ، كلا لا تطعه واسجد واقترب ) .

قال ابن هشام : لنسفعا : لنجذبن ولنأخذن . قال الشاعر :

قوم إذا سمعوا الصراخ رأيتهم * من بين ملجم مُهْره أو سافع

والنادي : المجلس الذي يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم ، وفي كتاب الله تعالى : ( وتأتون في ناديكم المنكر ) وهو الندي . قال عبيد بن الأبرص :

اذهب إليك فإن من بني أسد * أهل الندي وأهل الجود والنادي

وفي كتاب الله تعالى : ( وأحسن نديا ) . وجمعه : أندية . فليدع أهل ناديه . كما قال تعالى : ( واسأل القرية ) يريد أهل القرية . قال سلامة ابن جندل ، أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم :

يومان يومُ مقامات وأندية * ويوم سير إلى الأعداء تأويبِ

وهذا البيت في قصيدة له . وقال الكميت بن زيد :

لا مهاذير في النديّ مكاثيرَ ولا مصمتين بالإفحامِ *

وهذا البيت في قصيدة له . ويقال : النادي : الجلساء . والزبانية : الغلاظ (2/ 154) الشداد ، وهم في هذا الموضع : خزنة النار . والزبانية أيضا في الدنيا : أعوان الرجل الذين يخدمونه ويعينونه ، والواحد : زِبْنِية . قال ابن الزبعرى في ذلك :

مطاعيمُ في المقرى مَطاعين في الوغى * زبانية غلب عظام حلومها

يقول : شداد . وهذا البيت في أبيات له . وقال صخر بن عبدالله الهذلي ، وهو صخر الغي :

ومن كبير نفر زبانية *

وهذا البيت في أبيات له .

ما أنزله تعالى فيما عرضوه عليه ، عليه الصلاة و السلام من أموالهم

قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى عليه فيما عرضوا عليه من أموالهم : ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ، إن أجري إلا على الله ، وهو على كل شيء شهيد ) .

استكبار قريش عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم

فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق ، وعرفوا صدقه فيما حدث ، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه ، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتِّباعه وتصديقه ، فعتوا على الله وتركوا (2/ 155) أمره عيانا ، ولجوا فيما هم عليه من الكفر ، فقال قائلهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ، أي اجعلوه لغوا وباطلا ، واتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك ، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم .

تهكم أبي جهل بالرسول صلى الله عليه و سلم و تنفير الناس عنه

فقال أبو جهل يوما و هو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق : يا معشر قريش ، يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار و يحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عددا ، وكثرة ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟ فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قوله : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) إلى آخر القصة ، فلما قال ذلك بعضهم لبعض ، جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلي ، يتفرقون عنه ، ويأبون أن يستمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي ، استرق السمع دونهم فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع ، وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوته ، فظن الذي يستمع أنهم لا يستمعون شيئا من قراءته ، وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه .

سبب نزول آية : ( و لا تجهر … الخ )

قال ابن إسحاق : حدثني داود بن الحصين ، مولى عمرو بن عثمان ، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثهم أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حدثهم : إنما أنزلت هذه الآية : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ، وابتغ بين ذلك سبيلا ) من أجل أولئك النفر . يقول : لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به . (2/ 156)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سيدنا أبو بكر الصديق 5 : أدبه وتواضعه في التعامل مع الصحابة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد ...